ساسي سالم الحاج

21

نقد الخطاب الاستشراقي

الذين هم فوق البشر دون سواهم « والتي يستقون منها حياة جديدة كانت قبل ذلك مجهولة ، كما يتخذون منها قوة تهدم جميع العقبات ، ومن ذلك حمية النبي أو الحواري » « 1 » . ويشيد جولدزيهر بأصالة محمد الذي اعترض جميع المفاهيم العربية ، والأمر الذي قاده إلى تصفية الجاهلية ، وقد نجح في عمل فشل فيه العديد من الأنبياء العرب السابقين . ويرى جولدزيهر خلاف ذلك أن أفكاره ليست أصيلة ، فالدراسات التاريخية أثبتت استعارته للصوم من اليهود ، والصلاة من المسيحيين . ولكن مقابل ذلك فقد رفض كهنوتية الإسلام وتجسيد اللّه ولم يخف طبيعته البشرية ، وكان على ما يبدو مدركا بإخلاص إدراكا صحيحا ضعفه الإنساني ، وكان يريد أن يرى فيه المؤمنون رجلا له عيوب الإنسان ومن ثمّ كان عمله أعظم من شخصه . ولم يشعر في نفسه أنه قدّيس ، ولم يرد أن يعتبر كذلك « 2 » . ومع ذلك فقد اعتبرته الأجيال اللاحقة مثاليّا في جميع صفاته ، معصوما من الأخطاء ، كامل الصفات ، يمتلك مواهب تفوق البشر ، فيراه الإسماعيليون مثلا « فيض الذكاء العالمي ذاته » . ولكنه - أي الرسول - لم يضع نفسه في هذا المقام خاصة عندما أصبح رئيسا لدين ودولة أسسهما بالوسائل المادية الدنيوية التي تتجلى في ذلك الصراع الذي قاده طوال حياته . وكان هذا الصراع يختلف طبقا للمراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية ، فهو لم يعد في مرحلة « المدينة » ذلك النبي الذي يرى أن « الكلمة أقوى من السيف » . ولكن كلما أخذ عمله يتقدم تقدما خارجيّا ، تمّ التحول تدريجيّا : فبعد أن كان تحت سلطان الرؤى التي تتعلق بالدار الآخرة ، والتي كانت تملأ نفسه وتؤثّر في تبشيره خلال المرحلة الأولى من نبوته ، نراه انتقل إلى الأماني الدنيوية القوية التي صار لها التفوق من خلال مراحل نجاحه . وهذا هو ما طبع الإسلام التاريخي بطابع الدين الحزبي المتناقض تناقضا مطلقا مع مرحلته الأولى ، حيث لم يفكر في مملكة دائمة في عالم مصيره إلى الفناء . ولكنه أوصى بتحقيق رسالة مستقبلية لأمته ، وهي جهاد الكافرين ، والتوسع في نشر الإسلام وفي سيطرته التي هي سيطرة اللّه على أوسع

--> ( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، المرجع السابق ، ص 6 . ( 2 ) جولدزيهر ، المرجع السابق ، ص 26 .